[


الصورة الرمزية لـ ياسر الفنان style= 

قصة قصيرة بعنوان: رتيبة

كتبهاضفاف ، في 21 مايو 2006 الساعة: 15:35 م

قصة..
 
 
                رتيبة
 
 
 
تنحت عن المرآة ،بعد أن أودعتها سراً من أسرارها.. وأسرار اللذة التي تتملكها، كلما نظرت إليها متفرسة فيها.. منقبة في كاملها.. هذا الكل المتكامل.. المتأهب لممارسة الحياة.. هذا القوام الرشيق الذي يخفي أشياء كثيرة، تذهلها كلما فكرت في أنوثتها المقبورة داخل سياج من زيف الترف..؟؟
بخفة يصاحبها دلال.. بتؤدة عادت أدراجها، إلى النافذة المطلة على شارع الحرية.. المفتوحة مند الصباح، على ستار أبيض شفاف، حتى تُنعم جو الغرفة، نسائم ذلك اليوم.. وهي تحُط على شر اشف فراشها الأنيق ، أناقة كل شيء في غرفتها.. أزاحت ستار النافذة جانباً.. وكان طول النهار مسدولا على فُتحة النافذة.. فلا يرى العابر إلا ستار أبيض شفاف، تُدغدغه النسائم.. وكأن أصحاب الشأن في ذلك البناء الشاهق، يخشون على ملاكهم الساكن إحدى غُرف الطابق الثاني، الأعين المتلصصة.. أو تسلل الأرواح العابثة ، إلى الغرفة المربعة الشكل، الواسعة.. فاخرة التأثيث.. فمن عادة مترفي المدينة ، أن يؤثثوا لبناتهم وبنيهم غُرفهم الخاصة.. مُحاولين في يأس، إغنائهم عما يدور بالخارج من متاع الدنيا..؟؟؟ ! أو ربما هم فقط.. يُريدون أن يُوفروا لهم كل شيء.. حتى الأحلام..؟ !
في الغرفة التي زُين سقفها، بأشكال وزخارف يتوه الناظر في مكنوناتها.. بجدرانها الوردية الملساء.. والأرضية المبلطة ، بأرقي.. وأنفس ما عرفه العالم من رخام.. وفي الركن المنزوي يسار النافذة.. يضطجع سريرها اليتيم، تؤنس وحدته.. خزانة تُقابله في الجهة الأخرى للغرفة ، زُينت بمرآة.. وكأنها آلة مصغرة لرصد تفاصيل الغرفة.. بينما قيدت في الركن الكامن وراء الباب، مكتبة صغيرة.. في حين تتوسط الغرفة ، أشياء رتيبة المميزة.. طاولة أنيقة.. وكرسيان متقابلان ، لايمل الواحد منهما التحديق في الآخر..؟
بدت لها المرآة التي أودعتها نظرة أخيرة.. شاحبة.. وكأنها تود الانفلات من الإطار الذي تبتت إليه ، على صدر الخزانة، العنبرية اللون .. مسحت الغرفة بنظرة شاملة، فتبين لها أنها أهملتها بعض الشيء . وأن الطاولة التي بُعثرت فوقها أشيائها تستعطفها.. ولكن شيء ما.. قد حدث في الغرفة.. ربما في البناء كله.. من يدري.. ربما في الدنيا بأكملها..؟ ! وهي التي من عادتها أن تمرح وتطالع الأخبار بشغف ونهم كبيرين.. فمالها اليوم إذن مثقلة وناقمة على غدها ولحظتها..؟ وقد بدت على طاولتها بعض الفوضى.. وبدى شكها يقينا .. بأنها ملَتْ .. أو على الأقل سئمت.. من وجودها داخل هذا السجن الفاخر.. المكيف لمحكوم عليه بالحياة.. مسلوب العواطف والآمال.. مقيد الإرادة والعواطف…؟ !
رباه…. ماذا يحدث لي…؟ ارتعبت وأردفت . ما هذه الهواجس الرهيبة… !!
مشاهد وصور، دارت بخلدها.. وهي تزيح ستارة النافذة.. وما لبثت أن تهالكت على إطار النافذة الخشبي، المصبوغ بلون القمح..؟ فأحست بألم تُصاحبه لذة طفيفة.. وقد برز الصدر الكاعب الناهد إلى الأمام.. صارخا في ألم.. وكأنه يُريد الإفلات والتحرر ، ثم الهروب من وحدة سجنه المقنن..؟ !
ما أشقاك يا رتيبة.. لقد بدأ الجسد البض يتمرد.. وتذوق الصدر الكاعب لذة الغرابة.. ؟ ضغطت أكثر بصدرها على إطار النافذة.. فانسدل الشعر ليلا غزيرا على وجنتين مخضبتين بالحمرة.. وأحست بخجل يداعبهما.. بحرارة وجرأة يسريان في سائر جسدها الرشيق..؟ ! أشياء لاعهد لها بها من قبل.. فتمايل الجسد النائم اليقظ.. وانبعث من عينيها السوداوين بريقٌ نوراني ، فراحت تُحلق عاليا ، بأجنحة من بياض .. في فضاء دنيا سابحة.. ربما هي الآن لأول مرة في حياتها الفتية تحلم..؟؟ !! ربما.. ربما..
كان الوقت أحد أيام "أكتوبر" السوداء.. أكتوبر.. الرعب والموت.. أكتوبر الذي رسم خريطة للدم والموت.. في جزائر البياض والطيبة..؟ كانت السماء غامضة.. مُحجمة عن الإمطار، منزوية بعيدا خلف السحب الداكنة، فلا هي تُمطر.. ولا هي تُبهر بالزرقة، حاجبة أشعة الشمس، عن المتسكعين.. والمتسولين خارج ترف المدينة، المعلقة قلوبهم للدفء.. على شوك المأساة ، فوق رصيف مُفلس، يجلسُ القرفصاء طفلا أغبر.. في مواجهة شرفة رتيبة، باسطا يديه للمارة.. متلفظا بكلام عذب بريء.. عذوبته تُقطع الأوصال أو تكاد..؟ في الواجهة أيضا، ثمة شيخٌ يكرع في اتجاه بائع التبغ.. متعمدا مسايرة الزمن.. وقد بدا عليه أنه وجد ضالته أخيرا .. فهو لابد يقصد كيسا من "الشمة"
انشغل العابرون بسبل مقاصدهم.. الخارج من البيت.. والعائد إلى الحب، المتفق على موعد.. والآفل من المدرسة.. الذاهب للصلاة والمحلقة روحه في فضاء دنيا سابحة.. والأطفال..؟ ! فلذة الأكباد..؟؟؟
"ناولني شاي مع سيجارة ريم.. أسرع أرجوك.." قال عمار موظف البريد يخاطب نادل المقهى.. كان عما ر في العقد الرابع من العمر، حسُن الهندام، يوحي مظهره بالصرامة وقوة الشخصية، رغم الابتسامة المشرقة التي لا تفارق مُحياه.. تراه يؤم المقهى في مثل هذا الوقت من كل يوم، لتصفح الجريدة.. وقضاء ساعة أو ساعتين خارج زمن الروتين الضاربة جذوره في واقع الناس..؟ في الجهة الأخرى للمقهى الشعبي ثلة من الناس.. يرتشفون أحاديث يومية مستهلكة.. وغير بعيد، يعبث الدرويش إسماعيل القصبة، بعلبة كبريت.. غير آبه بمن حوله من الناس والحياة على حد سوى.. وهو الذي قضى أيام شبابه عاقلا .. إلى أن ظروف ما، جعلته متكأ لطيش الأولاد وظلم الكبار..؟
إلى هذا الحد من ذلك المساء.. كان كل شيء يسير في الاتجاه العادي لروتين المساءات الجزائرية.. كل شيء كان يوحي بقضاء أمسية عادية.. والانسياب مع العادي .. ومن ثم العبور إلى سدرة الليل بكل الأعباء ، بكل الضجيج.. بكل الأحلام..؟ !
ماذا حدث بالضبط..؟؟ !! سألت صاحب المقهى.. ؟ كاد يوليني ظهره ويلج سيارة الشرطة.. ولكنه تراجع .. وطلب مني أن أشعل له سيجارة ،كانت بين شفتيه.. أسمع يا ولدي ، كل شيء تم في لحظات.. قال صاحب المقهى .. وأردف .. الانفجار كان رهيبا، أشلاء كثيرة مع قطع آدمية ومعدنية ، تطايرت ولصقت بأعمدة الكهرباء وإشارات المرور وفوق الأرصفة التي التحفت بالدماء..؟ هل تُصدق.. وأنا أهم بالخروج هالني منظر فضيع، لنهد فتي مُعلق على سلك الكهرباء المحاذي لباب المقهى.. يــــــــــا .. ولم يُكمل عبارته الأخيرة مُفضلا ولوج سيارة الشرطة.. وسيجارته لاتزال مشتعلة بين شفتيه..؟؟ !              تمت: جيجل الجزائر/2000
 
من المجموعة القصصية/ عطر الشيطان/للقاص محمود عيشونة
  
 
 
 

                     

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “قصة قصيرة بعنوان: رتيبة”

  1. شكراً لزيارتك، وأسعدتني قرائتك.

  2. شكرا للرد المختصر.. سعيد بردك ومرورك بمدونتي .. تحيتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر