
طلـع الفجـر .. أشعـلت سيجـارة.. و نفثـت دخانهـا في المرآة .. و حدقت في وجهي.. ينعكس عليها بكـل ذلـك الحـزن الليلـي و ينكسر .. و تساءلت في عياء تام .. " كيـف لي أن أقضي ليلي ساكنا.. و ساهرا كانتــــا.. فيــــه عينــــاي مصوبتيـــن.. نحـــو جهـــاز التليفزيـون .. و الأعــراب.. خلانا يتفرجون متحدين.. و الصواريـخ ، فـي ركـض عنيـف و مستمـر.. فـي شـوارع و مساجــد العراق .. و أخـرى تتبـرج.. و تقصف حتـى المقعدين منا.. بحقد الطائرات.. و كيد المنتقم .. ولا تفتأ.. تدخل الزناة ديارنا.. في غزة .. الواحد تلو الأخر .. كي تبيع العرض العربي مجانا .. و مقابل ذلك ندفع لها بترولنا.. و دنانيرنا الذهبية … ؟ !
أي عالـم هـذا .. و أيـة جغرافيـة قذرة.. وضعنـا التاريخ فيها .. تساءلت من جديد .. إنقطع التيار الكهربائيـي فبهـت.. و صرخـت .. " أيـن أعيـش " خلتُنـي فـي بغداد.. فازداد حنقي أكثر و التيار يعود.. لأنتبه فجأة.. على واقـع آخـر ، لا يقــل دراماتيكيـة عـن شـوارع العـراق.. و بيوتـات فلسطيـن .. لا حركة.. و لا أصوات.. عدا صمت بهيم.. يذِلُنا ويشيح..؟ !
تـرى كيــف كــان سيتصـرف ساستنا.. لـو هــي نفسهــا الصواريـخ ، بـدأت فـي الركض .. و الالتفاف حول أحيـاء.. و طرقـات مدننـا المعتمـة .. كيـف سيشاهد العالم مأساتنا إذن.. و لا كهرباء في المدن .. و هل نكون آذاك.. متحرقين لمائدة..وحليب..وخبز..؟ !
و دوى انفجار.. و هرعـت إلى الجوار.. أحتمي بمسكن و كوب ماء .. و شاهدت كتلة من النار.. و وابل من الشهب، تخترق سماء بغداد ، مطيرة في طريقها، أشلاء الناس و أرواحهم.. في ذلك الحي المسالم.. و الـراض بالنصيـب .. و مراسل يلف نفسه بالرعب.. و يحتمي بخوذة.. ثم يغرق في الظلام .. !أطفأت جهاز التليفزيـون .. و تسللـت هاربـا مـن جحيم المشاهذة .. أحسسـت بالخزي.. و بلعنة من اللـه.. و وخز في رأسي.. و ضياع لا مثيل له .. و جثي على ركبتيه عجزنا العربي .. فقـررت أنـا المواطن الشعبي .. أن الوقت لم يعد مناسبا إطلاقا لفعل الحياة … !!
لـم أعـد أحتمـي فقـط .. بغشاء من خيال، إنما صرت مع الكل.. مذعورين من خوفنا المستمر .. خرجتُ للتو مـن صمـت الأنظمـة.. كل الأنظمة .. و وضعت فوق مرآة الشاشة العاكسة لهزائمنا.. رداء أسودا .. و دفعت بخوفـي إلـى قـرار سحيـق .. و خرجـت مـن بركـة.. أخالنـي غطسـت فيهـا منـذ الولادة .. بركة فيها الكلام…. و التمنـي.. و الحسـرة المريضة.. واغتسلـت تحـت شـلال الكبريـاء .. و فجـأة صـرت معجبا بحجمي ..و قد فاق الآلة الغربيـة .. قلـتُ لماذا و أنا بكل هذه الروح.. لا أتحدى مسيري الآلة.. و أسير في الشوارع العربية، أحثها على الاغتسال من قذارات الساسة و العمولة .. فكلنا يعني تعطيل أي قوة أخرى … ؟ !
ودوي انفجارآخـر.. و الناس أمام الشاشة مشدوهين لا يعلقون على شيء .. فقط اكتفوا بعيونهم و قد أطلقت لها قلوبهم العنان ، فهي تسيل حافرة على وجوههم خطوط حيرى .. قلت بعدما أدهشتني عواطفهم.. " يا أهل المقهى ثوروا ، كفوا عن المشاهدة و الترقب الحذر و الوعيد.. و اجرفوا كالسيل كل غثاء .. ؟
يا أهـل المقهى عودوا إلي .. اسمعوا و ارجعوا عن تهويمات النفس البشرية .. لنعقد الصلح بيننا و لنترك هـذا الشعـب.. و قـد سجنتـه أنظمتـه دهـورا ، يخـرج و يتنفس حريته .. و لنجعل المقهى فقط.. لاحتساء الشاي.. و تدخين السجائر … !!
و تركـت المقهـى علـى أمـل أن يستجيب ، غارقا فـي صوت الانفجارات و نقيق المعلقين.. الذين أرسلتهم أنظمتهم ، في وفود رسمية بحثا عن السبق الصحفي.. و لا يهم إن كان ذلك مقابل موت الجميع..؟ !
فـي الشـارع سـرت وحـدي فـي مظاهـرة عارمة .. و في رأسي لافتة كتب عليها " لا " للحرب .. الموت للخصيـان .. لم تعجبني اللافتة.. و قد بدت لي عباراتها أقل قوة .. فمزقتها و كتبت أخرى " الموت للحياد "
أعجبتنـي فكرتـي و تطرفـي ..و رحت في جميع الشوارع أسير ، منددا بالحياد .. و بيدي عمامة أحرقهــا .. و بالأخرى لوحة نقشت فوقها حروفا عربية .. " النصر لنا .. النصر لنا … "
فـي مظاهرتـي ســرت وحـدي.. و كيفمـا شئـت .. تارة في موكب حزن .. و تارة في حشد غضب .. و تارة في موسم برد .. سرت و تظاهرت و لم أزل.. حتى لفظتنـي آخـر زاوية، عند آخر شارع في أحقر دشرة، لم يشرق فيها نهار الكهرباء .. و هدأت الأصوات و الاحتجاجات في رأسي .. و لم تعد تمر أمام عيني أرتال {{العسكر}} والآليات المدججة
متحدية قامات النخيل و دهاء الصحراء العربية .. ا؟
السمـاء زرقـاء إلى حد مدهش.. و النجوم تلمع.. و الليل يزداد هديـرا ، كلمـا اقتربـت من أجواء الشاشات في المقاهيـي .. و سرت في الدروب التي و ضعتني فيها الأقدار ، مواطنا أليفا من عامة الشعب .. يسكن حيث يسكن الناس الحقيقيين..ويمارس مثلهم.. حياته بصـدق .. هنـاك فـي قيعـان المـدن .. حيـث تترعــرع الحيـاة الأبديـــة.. و تتمخـض ظـروف الثـوارات.. لتلـد للعالـم كـل مائة عام، حقبة جديدة .. و عالم مغاير .. لكن.. مالذي ينقصني.. و مم أشكـو .. !؟ طرحـت سؤالـي علـى نفسـي.. فأجابتنـي السمـاء المدهشـة .. أن الجـو مناسـب لبدء الجد .. و الخروج من أجواء المشاعر، التي تحسسني بالدونية و التقمص و الردة .. !!
و أعـددت قلمـا و ورقة .. لقد ارتأيت أن أكتب إلى سيادتهم.. عريضة أشكو فيها، من إجحافهم في حق الشعوب.. {{أيها الساسة العظـام ..؟ ! و بعـد .. لقـد نسينـا مـن فـرط الدهشـة، أن نكتب إليكم منذ الزمن البعيد .. و خشية منا على ذهاب ملككم.. و زوال سطوتكم .. نحن الشعب العربي ، نوقـع بـدم أحاسيسنـا .. نحن خير أمة أخرجت للناس .. و إننـا بعـد إذنكـم لذاهبون، إلى كل سفارات العالم.. كي نضع أمام أبوابها .. طلقة.. و كأس حليب .. و ليختاروا.. و لتكونوا من الشاهدين .. !؟ « التوقيع أخوكم شعب »
اللحظة صافية.. و السماء مدهشة بزرقتها.. و أنا قد ولجـت مـن الآن بحـرا، مـن الإنشداه.. لحالة الأمة ترقد في سكون مريع .. لقد سألني ذات يوم صديقي " شعب " كيف لا أستطيع أن أفرح و أنظم إلى قطيع الفرحين .. و قـلت لـه بغضـب مـن اليأس .. " يكفيك يا صديقي أن نموت غما " .. و مع ذلك أصر و قال .. ليتك تعلم كيف انهدم الإنسان .. فهو لا يرى نفسه إلآ قذارة بالية ، أو ماردا متكبرا .. ؟ لقد استمتعت بحوارنا العابر و القصير.. ذاك .. أه .. تلـك كانـت أمسيـة جزائريـة غضبـي .. سألـت شعـب . " لمـاذا هي أما سينا كالحة .. و يبدو أننـي كنـت أستفـزه.. لأعـرف سبـب عزوفه .. ! في وجهه بدت الدهشة ، ثم العمق الكلي .. " سر في خط مستقيم.. و ستكتشف مع الأيام .. كم هو ثمنك مرتف
المزيد